عبد الله بن أحمد النسفي

179

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 227 إلى 228 ] وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 227 ) وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 228 ) 227 - وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ بترك الفيء فتربصوا إلى مضي المدة فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لإيلائه عَلِيمٌ بنيته ، وهو وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة ، وعند الشافعي رحمه اللّه معناه فإن فاءوا وإن عزموا بعد مضي المدة لأنّ الفاء للتعقيب ، وقلنا قوله : فإن فاءوا . وإن عزموا تفصيل لقوله للذين يؤلون من نسائهم والتفصيل يعقب المفصّل كما تقول أنا نزيلكم هذا الشهر فإن أحمدتكم أقمت عندكم إلى آخره وإلّا لم أقم إلّا ريثما أتحوّل . 228 - وَالْمُطَلَّقاتُ أراد المدخول بهنّ من ذوات الأقراء يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ خبر في معنى الأمر ، وأصل الكلام ولتتربص المطلقات ، وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقّى بالمسارعة إلى امتثاله ، فكأنّهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجودا ، ونحوه قولهم في الدعاء رحمك اللّه ، أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة كأنّما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها ، وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضا فضل تأكيد لأنّ الجملة الاسمية تدل على الدوام والثبات بخلاف الفعلية ، وفي ذكر الأنفس تهييج لهنّ على التربص وزيادة بعث ، لأنّ أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأمرن أن يقمعن أنفسهنّ ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربّص ثَلاثَةَ قُرُوءٍ جمع قرء ، أو قرء ، وهو الحيض لقوله عليه السّلام : ( دعي الصلاة أيام أقرائك ) « 1 » وقوله : ( طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان ) « 2 » ولم يقل طهران ، وقوله تعالى : وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ « 3 » فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار ، ولأنّ المطلوب من العدة استبراء الرحم ، والحيض هو الذي يستبرأ به الأرحام دون الطهر ولذلك كان الاستبراء من الأمة بالحيضة ، ولأنّه لو كان طهرا - كما قال الشافعي - لانقضت العدة بقرأين وبعض الثالث فانتقص العدد عن الثلاثة لأنّه إذا طلّقها في آخر « 4 » الطهر فذا محسوب من العدة عنده ، وإذا طلّقها في آخر الحيض فذا غير محسوب من العدة عندنا ، والثلاث اسم

--> ( 1 ) أخرجه الدارقطني من حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة رضي اللّه عنها . ( 2 ) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم والدارقطني . ( 3 ) الطلاق ، 65 / 4 . ( 4 ) في ( ز ) لآخر .